تثقيف المراهنين والمقامرين في الأوراق المالية
إذا تصور منظمو الخدمات المالية أن بإمكانهم التقاعد إن هم استطاعوا تثقيف المستثمرين وتوعيتهم بشكل كامل حول مخاطر الأسواق ومزالقها، فإنهم يكونون واهمين. فليس هناك مجال لإجراء مقايضة تامة بين تثقيف المستثمرين والتنظيم القانوني للسوق. ذلك أنه سيكون هناك دائماً ما يكفي من السذاجة من جانب الذين يشترون منتجات الخدمات المالية، وما يكفي من المكر والخداع من جانب البائعين، وما يكفي من الجشع عند الطرفين، بحيث تظل الحاجة تدعو دائماً لوجود المنظمين.
لكن هذا لا يمنع من أن هناك مجالاً هائلاً من العمل المفيد يمكن القيام به في سبيل التثقيف المالي، في عالم يتندر فيه كثيرون بأن نصف السكان لا يعرفون معنى عبارة "50 في المائة"، رغم أنهم يواجَهون بمنتجات مالية تزداد تعقيداً يوماً عن يوم. والتباين الكبير بين جهل المستهلكين وتعقيد المنتجات يثير المشاكل في كل مكان. وحاولت هيئة التداول والأوراق المالية في الولايات المتحدة التعامل مع موضوع الجهل من خلال مكتب يدعى "مكتب تثقيف المستثمرين"، وحاولت التعامل مع موضوع التعقيد من خلال حملة استخدام "اللغة المبسطة". وفي المقابل، فإن التحرير المالي في آسيا قطع خطوات شاسعة أمام تثقيف المستثمرين وحمايتهم، وكانت النتيجة وقوع أزمات بطاقات الائتمان منذ عهد قريب في عدد من البلدان هناك. أما في بريطانيا، فقد أنشئت هيئة الخدمات المالية وكان تثقيف المستثمرين من أهم أهدافها. وخرجت الهيئة هذا الأسبوع بـ "استراتيجية قومية للقدرة المالية" من المفترض أن تصل بها إلى عشرة ملايين شخص، خصوصاً الشباب، خلال خمس سنوات.
وأظهر مسح تزامن مع الاستراتيجية، أن الجهل واسع الانتشار وكذلك حالات لا تحصى من الخلل الوظيفي، مثل أصحاب حسابات توفير في الأسهم لا علم لهم أن هذه الحسابات تتأثر سلباً وإيجاباً بسوق الأسهم، ومستأجرين غرر بهم واشتروا بوالص تأمين على مساكنهم، في حين أن ذلك من مسؤولية مالك العقار. لكن أهم ما توصل إليه المسح هو أن الأشخاص الذين تقع أعمارهم بين 18 و40 عاماً كانوا "لا يتمتعون بالقدر نفسه من الكفاءة المالية مثل من هم أكبر منهم سناً"، حتى بعد إعطاء العذر لهم على رواتبهم المتدنية وقلة خبرتهم. وهذا الأمر ليس مفاجأة للعدد الكبير من الطلاب البريطانيين الغارقين في ديون كبيرة، ولآبائهم.
وبما أن المسح هو الأول من نوعه الذي تجريه هيئة الخدمات المالية، فهو لم يتمكن من الإجابة عن السؤال الأهم، وهو ما إذا كان شباب اليوم أقل خبرة وعلماً بالأمور المالية من شباب الأجيال السابقة. لكن الأمر الواضح هو أن عليهم أن يكونوا أحسن حالاً منهم، لأنهم يكادون يكونون في حكم المؤكد أدنى قدرة منهم، خصوصاً بالنظر إلى العدد الكبير (من المنتجات المالية) المتاحة لهم الآن. وهناك أربعة أسباب لذلك. الأول، أن شباب اليوم يملكون النقود، وإن كان الفضل في ذلك فقط لأن آباءهم ميسورون. الثاني، أنهم يجدون أن من السهل عليهم اقتراض الأموال. ولم يعد الحصول على بطاقة ائتمان مجرد ارتداء بدلة والذهاب لمقابلة مدير البنك، وإنما أصبح لا يزيد على تعبئة طلب رسمي لذلك. الثالث، أنهم يجدون أن من السهل عليهم الذهاب إلى شركات مختلفة للحصول على عروض وصفقات أفضل. كما أن المؤسسات المالية تشجع هذا النوع من السلوك العشوائي الذي لا يراعي الفروق. كذلك أصبح تحويل الحسابات المصرفية أسهل بالنسبة إلى الشباب، دون الحاجة إلى وضع تعليمات دائمة أو تسجيل المبالغ المدينة على الحساب مباشرة. والرابع، أنه كان من سياسة الحكومة "تخصيص" عدد من المخاطر، مثل (صناديق) التقاعد، وكان من سياستها أيضاً أن تجعل الطلاب يساهمون بشكل أكبر في تكاليف دراستهم الجامعية، وتسديد جزء من التكاليف عن طريق القروض المتاحة لمن هب ودب في حساباتهم.
وبما أنه يوجد نحو نصف مليون بريطاني يعانون مشاكل حادة بسبب الديون، فإن هناك بالتأكيد مصلحة عامة في محاولة الهيئة تقديم قدر أفضل من التثقيف المالي. وهناك اقتراح بأن تدرس "القدرة المالية" لطلبة المدارس كجزء من مادة الرياضيات. وقد يقول قائل إن هذا يجب أن يكون جزء إلزامياً من المناهج الدراسية، تماماً مثلما أن قانون الطرق العامة هو جزءا من اختبار القيادة. لكن هذه الجهود تتطلب في العادة وقتاً حتى تحقق آثارها، كما أنها لا تحل إلا نصف المشكلة. أما النصف الثاني فيجب أن يأتي من جانب هيئة الخدمات المالية بأن تظل دائماً متيقظة وتقوم بدورها التنظيمي على خير وجه.