روسيا تتربع على رأس الدول المنتجة للنفط لكن الغموض يحيط بمستقبل مكانتها كمصدر للطاقة في ظل تطورات الأسواق
رفعت إنتاجها إلى 9.8 مليون برميل يوميا بنمو 6.8 %
روسيا كقوة دولية عظمى، بدأت في الاضمحلال مع انهيار الاتحاد السوفياتي. فخلال التسعينات ومع وجود قيادة ضعيفة (بوريس يلتسين) المثقلة باقتصاد واهن، كانت تسعى إلى الحصول على القروض من البنك الدولي حيث حصلت على قرض عام 1994 . ولكنها بدأت باستعادة مكانتها الدولية مع ولاية الرئيس بوتين، ومع ارتفاع أسعار البترول، إذ لم تستفد دولة مثل استفادة روسيا من ارتفاع أسعار البترول، والذي صاحبه زيادة في إنتاجها البترولي من 6.1 مليون برميل يوميا منذ خمس سنوات إلى 9.8 مليون برميل يوميا في الوقت الحالي، مما ساهم في تحقيق نمو اقتصادي ملموس بلغ معدله 6.8% سنويا، وتحقيق فائض مالي ضخم في ميزانية الدولة ساهم في سداد القسم الأكبر من ديون روسيا الخارجية بما في ذلك التي ورثتها عن الدولة السوفياتية المنهارة.
وقد أصبحت روسيا الآن اكبر دولة منتجة للبترول في العالم. وهو منصب كانت تتبوأه المملكة العربية السعودية خلال العقدين الماضيين. كما سعت روسيا إلى استخدام ثرواتها من البترول والغاز من اجل الحصول على مكاسب سياسية إضافة إلى المكاسب الاقتصادية الواضحة.
وبجانب الدخل المرتفع من البترول والذي حصلت عليه روسيا كنتيجة لارتفاع أسعار البترول، فان مما ساهم في إعادة إحياء جزء من قوتها السابقة هو رئاسة بوتين لروسيا وإحياؤه الشعور الوطني لدى الروس ومحاربة الفساد والتأكيد على أن الثروة الضخمة التي تملكها البلاد من البترول والغاز كفيلة بتحديد مكانة روسيا في العالم الصناعي واستعادة مكانتها السابقة كقوة عظمى. وعلى الرغم من أن روسيا زادت إنتاجها خلال السنوات الثماني الماضية عاما بعد آخر، غير أنه من غير الواضح ما هو مستوى الإنتاج الذي ترغب أن تصل إليه. كما أنه من غير الواضح ما هو السعر المفضل للبترول لدى روسيا، وهل هناك سعر معين مستعدة روسيا عنده مشاركة الآخرين للدفاع عنه؟ ومما يزيد الأمر غموضا هل سبب ترك روسيا هذين الأمرين بغير وضوح يعود إلى الاستفادة من أوضاع السوق البترولية دون المشاركة في تحمل مسؤولية إعادة التوازن للسوق، أم يعود ذلك إلى أسباب أخرى غير واضحة؟ أـ العلاقة مع أوروبا وأميركا: استفادت روسيا سياسيا من وضعها البترولي حيث سعت إلى إعادة أولوياتها السياسية وصياغة علاقاتها ومحاربة الساعين إلى تحجيمها. وقد شمل ذلك تقوية علاقاتها مع الصين والهند على حساب العلاقات مع أميركا وأوروبا، إضافة إلى توسعة نفوذها عن طريق استخدام البترول كورقة في هذه العلاقات. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية وبعد أحداث 11 سبتمبر بدأت تنظر إلى روسيا كبديل رئيسي ومحتمل للطاقة بدلا من الشرق الأوسط، إلا أنها في نفس الوقت تسعى الى إبقاء موسكو تحت ضغوط متزايدة عن طريق دخولها في تحالفات مع الدول الأوروبية المجاورة لروسيا ودول منطقة القوقاز. فروسيا والمناطق المحيطة بها تعتبر مهمة استراتيجيا فيما يتعلق بمسألة إمدادات الطاقة، وذلك لما تحتويه من احتياطات غنية من النفط والغاز والفحم واليورانيوم كمصدر بديل لتنويع مصادر استيرادها للطاقة، بدلا من مصادر الشرق الأوسط غير المستقرة. كما تكمن الأهمية الجيوسياسية والجيواقتصادية لهذا الإقليم بان روسيا تقوم بمراقبة أغلبية الطرق لتصدير النفط والغاز منه ومن بحر قزوين، وذلك لأن هدف أميركا تقليل احتكار وسيطرة روسيا على طرق نقل الطاقة وفتح الإقليم أمام الشركات الغربية للاستفادة من احتياطات الطاقة من قبل الدول المستهلكة. ولعل أهم مثال على تلك المواجهات هو الأزمة الأخيرة بين روسيا وجورجيا في سبتمبر الماضي عندما اعتقلت تبليسي خمسة ضباط روس اشتبهت في كونهم جواسيس والتدابير العقابية الصارمة التي فرضتها موسكو ضد الدولة الجارة على الرغم من إطلاق سراحهم بعد خمسة أيام، إذ عكست تلك المواجهة دورا أميركيا متزايدا في منطقة القوقاز يهدف إلى زيادة نفوذها الاقتصادي والسياسي وقبل كل شيء تواجدها العسكري وإبعاد موسكو وتقليص تأثيرها لدى الدول المجاورة. هناك أيضا العديد من المواضيع التي تبرز المواجهة بين موسكو وواشنطن، نذكر على سبيل المثال الموقف الروسي من أزمة طهران النووية عندما عرقلت موسكو ولشهور طوال المساعي الأميركية لنقل الملف الإيراني النووي إلى مجلس الأمن، هذا بالإضافة إلى دعوة روسيا لإيران في منتصف العام الماضي بإقامة تحالف بين شركات الغاز والمشاركة في مشروع خط أنابيب لنقل الغاز يربط إيران وباكستان والهند، بل وربما الصين. هناك أيضا اختلافات قوية فيما يتعلق بسياسة أميركا في العراق وأفغانستان والبلقان والصراع الإسرائيلي الفلسطيني وغيرها. وعلى الرغم مما يعتبره البعض سعيا أميركيا لاسترضاء موسكو بعد تزايد المواجهات بينهما بالموافقة على انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية بعد 14 عام من المفاوضات الصعبة بين الطرفين، إلا أن موسكو تعتبرها خطوة ناقصة حيث أن تنفيذها يتطلب مصادقة الهيئة التشريعية الأميركية، وهو ما يبدو صعبا مع وصول الغالبية الديمقراطية مؤخرا إلى الكونغرس.
أما بالنسبة لأوروبا فالموقف لا يختلف كثيرا وان كان يشوبه بعض القلق والنفاق، وذلك بسبب تزايد اعتماد أوروبا على روسيا كمصدر لاحتياجاتها المتنامية من الطاقة من ناحية، واعتقاد أوروبا بان الحكومة الروسية تسعى إلى السيطرة الكاملة على طرق إمدادات الطاقة من روسيا ومن بحر قزوين المتجهة إلى أوروبا، وكذلك في الدخول مع الدول المستهلكة في مشاريع العمليات اللاحقة كالتكرير ومبيعات المواد المكررة. كما تسعى روسيا إلى عدم إعطاء المجال لدول المنطقة المنافسة ذات الاحتياطات الغنية (وسط آسيا ومنطقة بحر قزوين) من الظهور. وعلى الرغم من سعي أميركا وأوروبا إلى تحفيز مصادر الطاقة الجديدة من هذه الدول، إلا أن الأخيرة تخشى رد الفعل الروسي. إضافة إلى ذلك مخاوف الدول الأوروبية من تعرض إمدادات الطاقة الروسية إلى أوروبا لعدم الاستقرار. والأمثلة على ذلك كثيرة، لعل أبرزها عندما قامت موسكو في أوائل العام الماضي 2006 بقطع إمدادات الغاز إلى أوكرانيا بسبب خلاف حول الأسعار اعتبره المحللون حجة تذرع بها الروس لمعاقبة أوكرانيا على عدم ولائها لموسكو. وفي يوليو من العام الماضي أيضا، قامت ليتوانيا ببيع مصفاة تكرير رئيسية إلى بولندا بدلا من شركات منافسة روسية. وكرد على ذلك، قامت روسيا بإغلاق أنبوب النفط لتلك المصفاة متحججة بأعمال إصلاح وترميم والتي تستغرق عادة 48 ساعة، إلا أن الأنبوب بقي مغلقا لمدة تزيد عن أربعة أشهر.
أخيرا ما حصل في أوائل العام الحالي عندما قررت بيلاروس (روسيا البيضاء) فرض ضريبة لكل طن بقيمة 45 دولارا، على إمدادات البترول الروسية التي تعبر أراضيها كرد على قرار روسيا رفع سعر إمداداتها من الغاز الطبيعي إلى بيلاروس للعام الحالي لأكثر من الضعف (100 دولار لكل ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي مقارنة بحوالي 46 دولارا، للعام الماضي) بالإضافة إلى ضريبة أخرى 180 دولارا لكل طن على البترول الذي كانت تبيعه روسيا خلال السنوات الخمس الماضية بسعر مربح ومدعوم كمساعدة مالية منها لحكومة بيلاروس، إذ ترى موسكو أن غياب ضريبة الصادرات تلك قد كلفها ما يقارب 3.5 الى 4 مليارات دولار سنويا. وقد أدى هذا الخلاف حول الأسعار إلى توقف ضخ ما يقارب 1.8 مليون برميل يوميا من إمدادات البترول الروسي عبر خط أنابيب دروزبا (أحد أكبر خطوط النقل عالميا من حيت طاقته الاستيعابية) إلى أوروبا الوسطى، حيث تأثرت بذلك ولمدة ثلاثة أيام إمدادات البترول لخمس دول أوروبية: ألمانيا وبولندا وهنغاريا وأوكرانيا وسلوفاكيا. ويبدو أن الدول الأوروبية تختلف مواقفها تجاه سياسة روسيا النفطية حسب درجة اعتماد بلدانهم على النفط والغاز الروسيين. فألمانيا على سبيل المثال والتي تعتبر اكبر مستهلكي مصادر الطاقة الروسية في أوروبا تنظر إلى روسيا كأفضل بديل للشرق الأوسط فيما يتعلق بإمدادات النفط والغاز، بل أنها تساند مشروعا مشتركا بين شركة الغاز الروسية وبعض شركات الغاز الألمانية لبناء خط أنابيب نقل للغاز الطبيعي يربط روسيا مباشرة بألمانيا عبر بحر البلطيق، الأمر الذي اعتبره البولنديون ودول الاتحاد السوفياتي سابقا يشكل تهديدا لهم، إذ انه يمكن روسيا من تصدير الغاز دون المرور بالمسارات التي تعبر أراضيهم.
أما دول آسيا الوسطى، فهي تشعر بقلق متزايد إزاء ما تعتبره تزايد دور وأهمية الحكومة الروسية في صناعة النفط والغاز، وهيمنتها المتزايدة على خطوط النقل. فالوضع الحالي لتلك الدول يفرض عليها بيع إمداداتها من الغاز إلى شركة غاز بروم الوطنية الروسية وذلك لنقله وبيعه في دول غرب أوروبا خلال أنابيب النقل الروسية، وتتحكم روسيا بذلك بالأسعار وحجم الإمدادات، فدولة تركمانستان مثلا، تبيع الغاز إلى شركة غاز بروم بخمس السعر الذي تبيع به الأخيرة نفس الغاز لزبائنها الأوروبيين. أخيرا، فان روسيا تسعى للحصول على أكبر عدد ممكن من المستهلكين الأوروبيين وذلك لتقليل فرص إنشاء خطوط نقل بديلة للدول الأخرى كمشروع نابوكو المدعوم أميركيا والذي يربط مصادر الغاز في منطقة قزوين إلى أواسط أوروبا بدون المرور في الأراضي الروسية. كما أنها بذلك تعيق دخول منافسين آخرين مثل تركمانستان وكازاخستان من الدخول إلى الأسواق الأوروبية عبر مسارات بديلة.
عملت روسيا على تقوية علاقاتها مع الصين والهند على حساب العلاقات مع أوروبا وأميركا. ففي المجال الاقتصادي بلغ التبادل التجاري بين البلدين 29.1 مليار دولار خلال العام الماضي مسجلا ارتفاع 50 في المائة للربع الأول من عام 2006 مقارنة بعام 2005. أما في الجانب البترولي فان الصين تتطلع إلى روسيا لسد احتياجاتها المتنامية من البترول والغاز . إضافة إلى ذلك، تتعاون روسيا والصين لتقليل تأثير الولايات المتحدة في المنطقة وبالذات فيما يتعلق بجماعات البيئة، ومجموعات المعارضة التي تدعمها الحكومة الأميركية، وأخيرا الصراع مع المجموعات الانفصالية في الشيشان والتبت. وعلى الرغم من ذلك، لا تخلو العلاقة من المشاكل العالقة بين البلدين ومنها تفاقم التعداد السكاني الصيني مقابل تناقص عدد السكان في الأقاليم الروسية المتاخمة على نحو يعتبره البعض بأنه يهدد الأمن الوطني، إذ أن روسيا بحاجة إلى الملايين من القوة العاملة لمواكبة اقتصادها المتنامي والذي تستطيع الصين إمدادها به بسهولة، خاصة إذا تم تغيير سياسات العمل، وغير ذلك من مواضيع أخرى. كما إن روسيا لا تزال تبدي بعض القلق أو عدم الثقة في النوايا الصينية. ولعل أفضل مثلٍ على ذلك عندما أرادت الصين إنشاء خط أنابيب لنقل البترول بطول 4100 كيلومتر لربط المناطق الصينية مباشرة بسيبيريا لهدف ضمان الحصول على الإمدادات البترولية الروسية مباشرة، إلا أن روسيا شرعت في تنفيذ خط نقل رئيسي ينتهي بمدينة ناخودكا على المحيط الأطلسي حيث تستطيع بيع إمداداتها إلى اليابان، وأميركا، وكوريا مكتفية بمد خط فرعي إلى الصين.
وبشكل عام، فان مستقبل الصناعة والإمدادات الروسية من البترول والغاز ما زالت غير واضحة وفي حالة مبكرة، ومن غير المعروف ما إذا كانت ستستطيع المحافظة على مستوى الإنتاج الحالي أو استمرار زيادة مستوى الإنتاج. فهي تواجه مشكلتين رئيسيتين: الأولى هي مواقع حقول البترول الروسية في سيبيريا وأجزاء من القطب الشمالي مما يجعلها بعيدة وصعبة جيولوجيا وتتطلب استثمارات ضخمة للتطوير والإنتاج. ثانيا ان روسيا تحتاج إلى خبرة الشركات الأجنبية في مجال تطوير حقول البترول. إذ يشير المراقبون البتروليون إلى أن الزيادة التي شهدها الإنتاج الروسي للبترول خلال الفترة (1998ـ2005)، بلغت نسبة مساهمة الشركات الروسية الخاصة ما يقارب 25 في المائة من تلك الزيادة، أما شركتا البترول والغاز الوطنيتان اللتان تفضلهما موسكو فيما يتعلق بمصادر الطاقة فلم تسجلا أي مساهمة تذكر. ويبقى الخيار الوحيد أمام روسيا استقطاب الاستثمارات الأجنبية. إلا أن هذا الخيار لن تقبله روسيا بسهولة...
وبغض النظر عن هذا أو ذاك، فان روسيا تعتبر الآن أهم دولة في إنتاج وتصدير الطاقة (البترول والغاز)، وبالذات إلى أوروبا، وبشكل متزايد إلى آسيا... كما أن روسيا ساعية إلى استغلال ثرواتها من البترول والغاز، وموقعها الجغرافي لاستعادة جزء من أهميتها السياسية العالمية التي فقدتها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. كما أن هناك حلما روسيا باستغلال الدخل من النفط والغاز لأجل تنمية اقتصادية مستدامة، وبالذات في المجال التكنولوجي، يعيد لها جزءا من مجدها العالمي السابق. إلا أن هذا في النهاية رهن بتطورات السوق البترولية الدولية من حيث الأسعار والإنتاج الروسي، ورهن بالسياسة الروسية، وبالذات بعد نهاية حكم بوتين العام القادم.